السيد عبد الأعلى السبزواري

245

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

آنفا ، من ذلك يستفاد شدّة الانس والمحبّة بين اللّه تعالى وبين هذه المرأة الصالحة . وكمال الخلّة بينهما . ومريم علم امرأة سريانيّة معناها خادمة الرب أو المرتفعة بالعبادة ، ومن مبادرتها بالتسمية يستفاد يأسها من كون الولد ذكرا تتحقّق فيه رغبتها ، وإنما رضيت بكون الأنثى هي المنذورة المحرّرة وحولت النذر إليها ، وأعدّتها للعبادة بالتسمية ، ويدلّ عليه قوله تعالى بعد ذلك : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . قوله تعالى : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . دعاء منها لحفظها وذريتها دائما من جميع المساوئ والمكاره ، والحاصلة من دسائس الشيطان الرجيم . وقد استجاب اللّه دعاءها ، فكانت صدّيقة عابدة صالحة وذرّيتها أيضا من الصدّيقين الصالحين ، فتطابق الاسم والمسمّى فيها ، لأن مريم في لغتهم العابدة الخادمة ، كما عرفت . ويستفاد من قولها : ( وذريتها ) من دون شرط وقيد أنها كانت تعلم بأنها سترزق ولدا ذكرا من عمران ، فلما لم يتحقّق في حملها ، توقّعت أن يكون من ذرّيّتها ، وهي منحصرة في فرد واحد ، وهو عيسى ابن مريم . قوله تعالى : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . التقبّل هو الرضا بشيء مع عناية خاصة به كما تقدّم آنفا . ومادة ( حسن ) من الألفاظ التي يكون لفظها ومعناها مطلوبين مطلقا ، أعمّ من أن يكون الحسن اعتقاديا ، كما في قوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [ سورة فاطر ، الآية : 8 ] ، وواقعيّا حقيقيّا ، كما في قوله تعالى : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [ سورة الأنفال ، الآية : 17 ] ، وقوله تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ سورة التوبة ، الآية : 52 ] ، نظير الخير والصلح والجمال ونحو ذلك . والقبول الحسن هو القبول كما سألته أمها وزيادة عليه ، وإنما أكّد سبحانه